الجمعة ٠٢ / أكتوبر / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا التحرير
×
الموجز
logo الفاو: أسعار الغذاء العالمية تسجل أعلى مستوى منذ 4 سنواتlogo رئيس الوزراء يستعرض جهود مصر لتعزيز الربط اللوجستي بالقارة الأفريقيةlogo البورصة المصرية تشارك في جوائز التميز بعلاقات المستثمرين بدبيlogo مصر وجنوب أفريقيا تدشنان مجلس الأعمال المصري الجنوب أفريقيlogo وزير الخارجية يستعرض آليات تعزيز التجارة والاستثمار لدعم النمو الأفريقيlogo الرئيس السيسي يفتتح منتدى العلمين أفريقيا ويلتقي قادة الأعمال غدًاlogo مدبولي يطلق منتدى أفريقيا العلمين منصة مستدامة للاستثمار والتنميةlogo الفاو: أسعار الغذاء العالمية تسجل أعلى مستوى منذ 4 سنواتlogo رئيس الوزراء يستعرض جهود مصر لتعزيز الربط اللوجستي بالقارة الأفريقيةlogo البورصة المصرية تشارك في جوائز التميز بعلاقات المستثمرين بدبيlogo مصر وجنوب أفريقيا تدشنان مجلس الأعمال المصري الجنوب أفريقيlogo وزير الخارجية يستعرض آليات تعزيز التجارة والاستثمار لدعم النمو الأفريقيlogo الرئيس السيسي يفتتح منتدى العلمين أفريقيا ويلتقي قادة الأعمال غدًاlogo مدبولي يطلق منتدى أفريقيا العلمين منصة مستدامة للاستثمار والتنمية

​محمد صلاح.. إنجازات استثنائية ومواقف إنسانية تكشف معادن الرجال

​محمد صلاح.. إنجازات استثنائية ومواقف إنسانية تكشف معادن الرجال

عادل خفاجي يكتب:

​أقاويلٌ وقصصٌ وحكاياتٌ كثيرةٌ تُرْوَى عبر تاريخ بطولات لعبة كرة القدم، تؤكد أنّه ليس كل مَنْ ارتدى قميص منتخب بلاده أصبح جزءًا من تاريخه، ولا كل مَنْ سجل الأهداف ترك أثرًا باقيًا في ذاكرة وطنه. فهناك لاعبون ينتهي دورهم بانتهاء المباراة، وهناك رجال تتحول لحظاتهم داخل الملعب إلى صفحات لا تُمْحَى من تاريخ بلدٍ كامل.

​وهناك لاعبون تُقاس قيمتهم بعدد الأهداف والبطولات، وآخرون تتجاوز قيمتهم حدود المستطيل الأخضر؛ لأن معدن الإنسان الحقيقي يظهر في اللحظات الصعبة، عندما تتعارض الحسابات مع المبادئ، ويصبح الموقف أكبر من المكسب الشخصي. ومحمد صلاح أحد أبرز النماذج المصرية والعربية والإفريقية التي جمعت بين الإنجاز الرياضي والتأثير الإنساني، حتى أصبح اسمه حاضرًا بقوة في ذاكرة الملايين.

​في الثامن من أكتوبر 2017، وقف أكثر من 80 ألف مشجع في استاد "برج العرب" أمام واحدة من أهم اللحظات في تاريخ الكرة المصرية. كانت مصر متقدمة على الكونغو بهدف دون رد، قبل أن يأتي هدف التعادل للضيوف في الدقائق الأخيرة، لتصبح بطاقة التأهل إلى كأس العالم مهددة بالضياع. وعقب هدف التعادل، سقط محمد صلاح على أرض الملعب حزنًا وخوفًا من ضياع حلم تأهل منتخب بلاده، لكن سرعان ما نهض مجددًا متحديًا الموقف، يطالب اللاعبين بشحذ الهمم وبذل أقصى جهودهم، وسط مساندة جماهيرية غفيرة ألهبت الحماس؛ حتى جاءت ركلة جزاء مستحقة في الوقت بدل الضائع، تقدم لها صلاح وسددها بقوة، لتنفجر الفرحة ويسعد ملايين المصريين بعودة منتخبهم إلى كأس العالم بعد غياب دام 28 عامًا. لم تكن مجرد ركلة جزاء، بل كانت لحظة تحولت فيها الضغوط الرهيبة إلى إنجاز تاريخي، وأصبح فيها محمد صلاح صانعًا رئيسيًا لأحد أشهر مشاهِد الكرة المصرية الحديثة.

​ولمن يحاولون المقارنة بين اللاعب محمد صلاح والمدرب حسام حسن، هناك مفارقة تاريخية؛ فحسام حسن -المدير الفني الحالي لمنتخب مصر- يعرف جيدًا معنى أن يسجل لاعبٌ هدفًا يحمل منتخب بلاده إلى كأس العالم؛ إذ كان هو صاحب هدف تأهل الفراعنة إلى مونديال إيطاليا 1990 أمام الجزائر. لقد حمل "العميد" جيلًا كاملًا إلى إيطاليا، وبعد 27 عامًا جاء صلاح ليكتب فصلًا جديدًا مع جيل روسيا 2018. وتلك ليست مقارنة بين نجمين بقدر ما هي قراءة للحظات فارقة صنعتها الكرة المصرية، وترك فيها كل جيلٍ بطله.

​​غير أن قيمة محمد صلاح لا تُخْتَصَر في هدف التأهل؛ فالأرقام تضعه في مكانة استثنائية في تاريخ كرة القدم المصرية والعربية والإفريقية والعالمية. فقد أصبح رابع الهدافين التاريخيين لنادي ليفربول، ومن أبرز الهدافين التاريخيين للدوري الإنجليزي الممتاز، والهداف الإفريقي الأبرز في تاريخ المسابقة. وتتجسد هذه القيمة بالأرقام الحية بقميص المنتخب الوطني المصري؛ حيث يملك صلاح في رصيده الدولي 67 هدفًا مع منتخب مصر الأول، ليفصله هدفٌ واحدٌ فقط عن معادلة الرقم القياسي المسجل باسم مدربه الحالي حسام حسن (68 هدفًا)، صاحب صدارة الهدافين التاريخيين للمنتخب. كما يتصدر صلاح قائمة الهدافين التاريخيين للتصفيات الإفريقية المؤهلة لكأس العالم برصيد 20 هدفًا، ليصبح الهداف التاريخي لقارة إفريقيا في تصفيات المونديال. ولم تتوقف بصمته المونديالية عند حدود التصفيات، بل امتدت لقيادة الفراعنة لبلوغ نهائيات كأس العالم في مناسبتين؛ الأولى في روسيا 2018 (عقب ملحمة برج العرب في 8 أكتوبر 2017)، والثانية في كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، حيث تكللت مسيرته بتمثيل إقليمي وقاري مشرف، وقيادة المنتخب الوطني المصري لتسجيل حضور استثنائي والوصول إلى دور الـ16 لأول مرة فى تاريخه ، فضلًا عن سجله المونديالي بتسجيل ثلاثة أهداف فى البطولتين، ليظل قائدًا وهدافًا استثنائيًا يكتب اسمه بحروفٍ من نور في سجلات الكرة المصرية والعالمية. كما تُوِّج بدوري أبطال أوروبا، والدوري الإنجليزي، وكأس العالم للأندية، وكأس السوبر الأوروبي، وكأس الاتحاد الإنجليزي، وكأس الرابطة، وحصل على جائزة الحذاء الذهبي للدوري الإنجليزي عدة مرات.

ولعل عدم حصوله على جائزة "الكرة الذهبية" -رغم ترشيحه لها لسنوات متتالية وبلوغه المراكز الأولى عالميًا- يعكس الجانب الآخر لمعايير التقييم التي تحكمها أحيانًا التوازنات الإعلامية والتأثيرات المؤسسية والسياسية للجوائز الفردية؛ ذلك أن التتويج بها يظل محكومًا بتكتلات ومنظمات ترجح كفة لاعبين بحسب خريطة التأثير والنفوذ. غير أن عدم حصول صلاح على الجائزة لم يقلل خطوة واحدة من قيمته؛ بل أثبت أن القيمة الحقيقية للنجم تُستمد من المستطيل الأخضر ومحبة الجماهير، لا من أروقة التصويت والتصنيفات الجدلية.

​والأهم أن صلاح لم يصل إلى هذه المكانة عبر طريقٍ مفروشٍ بالورود؛ فمن المقاولون العرب إلى بازل، ثم تشيلسي وفيورنتينا وروما، وصولًا إلى ليفربول، كانت الرحلة مليئة بالتحديات الصعبة، لكنها تُوِّجَت بوصول لاعبٍ مصري إلى قمة أقوى مسابقة كروية في العالم. ولم تكن الاستمرارية في هذا المستوى الرفيع محض مصادفة، بل جاءت نتاج عقلية احترافية صارمة والانضباط الذهني والتطوير الذاتي المستمر، الذي جعل صلاح يحتفظ بلياقته وتأهبه الذهني بين كبار اللعبة موسمًا تلو الآخر، متجاوزًا ضغوط التوقعات العالية وحجم التألق الدائم.

​وفي محطته مع نادي طرابزون سبور التركي، تتجلى بوضوح القوة الناعمة والتأثير الجماهيري الجارف للملك المصري؛ حيث حظي باستقبالٍ أسطوري تقدمته قيادات النادي والمسؤولون في المدينة والمحلّيّون. ولم تتوقف مظاهر الاحتفاء عند هتافات المدرجات، بل امتدت لتسمية أحد شوارع المدينة باسمه تكريمًا لمكانه ومكانته، وتأليف الأغاني والأهازيج الحماسية التي تردد اسمه في شوارع تركيا. وقد انعكس هذا التدفق الجماهيري والإعلامي سريعًا على النادي التركي؛ حيث أسهم وجود صلاح في الترويج العالمي للنادي، ورفع قيمته التسويقية، وزيادة المبيعات والإيرادات في زمنٍ قياسي، ليؤكد أن تأثيره يجاوز حدود المستطيل الأخضر إلى صناعة الرمزية الاقتصادية والجماهيرية أينما حل.

​وفي عام 2016، تزامنت بداية تألق صلاح مع روما مع توتر كبير في العلاقات المصرية الإيطالية إثر قضية الباحث الإيطالي جوليو ريجيني. وأُثير وقتها جدلٌ حول لافتات كان مُقررًا رفعها في الملاعب الإيطالية، وسط اهتمام خاص بموقف صلاح باعتباره لاعبًا مصريًا في روما؛ إذ رفض حمل تلك اللافتات أو مشاركة الفريق في تلك الحملة. وتعامل نادي روما مع الموقف بتصعيده إلى الاتحاد الإيطالي لكرة القدم، ليتم إعفاء النادي من حمل اللافتات، بما يحفظ للاعب مساحته بعيدًا عن التجاذبات السياسية. وبعيدًا عن التفاصيل، تبقى الواقعة شاهدًا على مرحلة كشفت معدن هذا اللاعب ووطنيته، وحجم الاهتمام العالمي الذي بات يحظى به.

​كما يمتد هذا المعدن الأصيل إلى ما هو أبعد من أضواء الملاعب؛ فالجانب المجتمعي والخيري في مسيرة صلاح يرسم أبعاد شخصيته الحقيقية. إذ لم تنفصل نجوميته عن مسقط رأسه في "نجريج"، حيث ظل مبادرًا بدعم المشروعات الخيرية والتنموية، وبناء المؤسسات الصحية والتعليمية ومساندة الشباب، ليجسد القدوة النافعة والمفهوم الشامل للرياضي المتصل ببيئته وأهله.

​وهذا التأثير الفريد لم يمر دون تقدير من الدولة المصرية؛ إذ حظي النجم محمد صلاح بتكريمٍ رسميّ وشخصيّ رفيع المستوى من سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي حرص في أكثر من محفل ومناسبة على الإشادة بشخصه وإنجازاته، معتبرًا إياه نموذجًا ملهمًا للشباب المصري والعربي في الإرادة والاحترافية، ومؤكدًا أن قيمة صلاح تجاوزت كونه لاعب كرة قدم ليغدو سفيرًا وشرفًا للرياضة المصرية ومصدر فخرٍ للوطن.

​لم يكن محمدصلاح بحاجة إلى أن يصرح بأنه يحمل منتخب مصر وحده؛ فالملعب نفسه سجّل لحظات فارقة تحمل اسمه. ولم يحتج إلى إعلان أفضليته؛ فالأرقام والبطولات والسجلات القياسية تتحدث عنه بصوتٍ أبلغ من الكلمات. فالنجم قد يسجل هدفًا، أما اللاعب الاستثنائي فيصنع لحظة تبقى حية في ذاكرة وطن. ومحمد صلاح صنع الكثير من هذه اللحظات؛ فمن هدف برج العرب إلى ليالي "أنفيلد"، ومن احتفاء طرابزون إلى حلم طفل في قرية "نجريج" يقف بين كبار نجوم العالم، أصبحت قصة صلاح أكبر من مجرد مسيرة لاعب كرة قدم. إنها قصة نجاحٍ مصريّة بدأت من الريف ووصلت إلى قمة الكرة الأوروبية والعالمية، ليكون صاحبها أحد أكثر اللاعبين تأثيرًا وشهرة في تاريخ اللعبة. ولهذا فإن الحديث عن محمد صلاح لا ينبغي أن يقتصر على لغة الأرقام والبطولات، بل يجب أن يمتد إلى قيمة الإنسان عندما تتحول الموهبة إلى مسؤولية، والنجاح الشخصي إلى مصدر إلهامٍ لملايين الشباب. الأهداف تصنع النجوم.. لكن المواقف والإنجازات هي التي تكشف معادن الرجال.